الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

232

نفحات الولاية

فوصف بالله بهذه الصفات هو في الواقع دليل على تفرده سبحانه بكل حمد وثناء ، نعم فهو الجدير بكل مدح وحمد وثناء ، كيف لا وقد عم فضله وانتشر جوده وملأت أركان العالم نعمه وآلائه . ولا ينبغي ذلك لمن سواه ، فهم عيال على نعمه . ثم أشار إلى سعة حمده والثناء عليه قال عليه السلام : « نحمده في جميع أموره ، ونستعينه على رعاية حقوقه » . فالعبارة « جميع أموره » تفيد أننا لانحمده عند النعم والرفاه والدعة والعافية فحسب ، بل نحمده ونشكره في البلاء والشدة وحين الوقائع الخطيرة ، وذلك لأنه أولًا : كل ما يفعله الله يتفق والحكمة والمصلحة ، حتى المصائب التي تصب علينا إختباراً فهي كفارة لذنوبنا ، أو أنّها سبب ليقظتنا من نوم الغفلة . وثانياً : أنّ هذه الحوادث تجعلنا ننال أجر وثواب الصابرين وجزاء الشاكرين وهذه نعمة كبرى . والعبارة « ونستعينه . . . » أي إننا يجب أن نستمد العون منه لطاعته وامتثال أوامره ورعاية حقوقه ، حيث لا يسعنا فعل شيء دون عونه ، وهذا ما نردده ليل نهار في صلواتنا « إِيَّاكَ نَعبُدُ وَإِيَّاكَ نَستَعِين » ولما فرغ عليه السلام من حمد الله والثناء عليه ، شهد لله بالوحدانية وأن لا معبود سواء « ونشهد أن لا إله غيره » . لأننا إذ سلمنا أنّ النعم منه ، فانّ العبودية والطاعة لا تليق الا به سبحانه وبذاته المقدسة . ثم اتبعها بالشهادة للنبي صلى الله عليه وآله بالنبوة والعبودية : « وأن محمدا عبده ورسوله » أمّا تقديم العبودية على الرسالة ، فتفيد نفيها لكافة أنواع الشرك عن المؤمنين ، إلى جانب كون مقام العبودية أفضل وأسمى من مقام النبوة ! لأنّ العبد الكامل المخلص لله يرى تمام وجوده لله ، فلايفكر في سواه ولا يرجو غيره ، وهذا بحد ذاته أوج تكامل الإنسان الذي ليس بعده من مقام . ثم أشار عليه السلام إلى بعض صفات النبي الأكرم صلى الله عليه وآله في أنّه صدح بالحق ، وأدى رسالته بكل أمانة حتى مضى إلى ربّه بعد أن ثبت دعائم الحق : « أرسله بأمره صادعاً ، « 1 » وبذكره ناطقاً ،

--> ( 1 ) « صادع » من مادة « صدع » فالقا به ، كما وردت هذه المفردة بمعنى الاظهار والاعلان ، حيث يظهر باطن‌الشيء عند فلقه وهذا ما أريد بها في العبارة ، وأمّا « الصداع » الذي يطلق على وجع الرأس فكأنه يريد أن يفلقه .